بين الاشتباكات والحصار.. أزمة معيشية تتفاقم في شمال سوريا
بين الاشتباكات والحصار.. أزمة معيشية تتفاقم في شمال سوريا
تعيش ثلاثة أحياء في محافظة حلب شمال سوريا أوضاعاً إنسانية ومعيشية شديدة الصعوبة، مع تفاقم أزمة المحروقات وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، منذ اندلاع الاشتباكات بين قوات سوريا الديمقراطية والقوات الحكومية في 22 ديسمبر الماضي، ومع استمرار التصعيد العسكري، تحولت الحياة اليومية لسكان هذه الأحياء إلى معركة مفتوحة لتأمين أبسط مقومات العيش.
تصعيد عسكري يفاقم الأزمة
بحسب ما ذكره المرصد السوري لحقوق الإنسان الثلاثاء انعكست التوترات الميدانية في ريف حلب مباشرة على الأحياء السكنية، حيث أكد مصدر عسكري أن الجيش السوري بدأ خلال الأيام الماضية استهداف مصادر إطلاق الطائرات المسيرة التابعة لقوات سوريا الديمقراطية شرقي حلب، بعد تحديد مواقعها، وفي المقابل أعلنت وزارة الدفاع السورية إصابة 3 عسكريين في هجوم بطائرات مسيرة نفذته قوات قسد في ريف حلب، في تطور يعكس تصعيداً جديداً رغم حديث قسد عن استمرارها في التفاوض مع الحكومة السورية.
ووفقاً للمرصد السوري تشهد أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد حصاراً متشدداً منذ اندلاع الاشتباكات، ما أدى إلى نقص حاد في المحروقات والمواد الأساسية، وارتفعت أسعار الوقود إلى مستويات قياسية، إذ بلغ سعر ليتر المازوت 12000 ليرة سورية، في حين وصل سعر لتر البنزين إلى 20000 ليرة، وسجلت أسطوانة الغاز المنزلي سعراً بلغ 270000 ليرة، وهو رقم يفوق قدرة غالبية السكان في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية.
انقطاع الكهرباء وشلل الخدمات
إلى جانب أزمة الوقود، تعاني الأحياء الثلاثة في حلب من انقطاع شبه كامل للكهرباء منذ أكثر من 10 أيام، وذكر المرصد أن المولدات الكهربائية التي تغذي بعض المناطق لا تعمل سوى 3 ساعات يومياً بسبب نقص الوقود، ما ينعكس سلباً على المستشفيات الصغيرة والمحال التجارية وحياة السكان اليومية، كما لم تتمكن اللجان الفنية المختصة من صيانة خطوط الكهرباء نتيجة الحصار ومنع إدخال المحروقات ومواد البناء اللازمة لأعمال الترميم والصيانة.
الأزمة طالت قطاع الخبز الذي يعد إحدى أهم ركائز الأمن الغذائي للسكان، وأكد أحد أصحاب الأفران في حي الشيخ مقصود أن الحصار المفروض أدى إلى نقص حاد في الطحين والوقود والمواد الأساسية الأخرى، ما أثر بشكل مباشر في قدرة الأفران على العمل وتلبية احتياجات الأهالي. وأوضح أن بعض الأفران اضطرت إلى تقليص ساعات العمل أو الإغلاق المؤقت، في وقت يعتمد فيه آلاف السكان على الخبز المدعوم بوصفه مصدراً غذائياً رئيسياً.
شلل اقتصادي ومعاناة التجار
الأوضاع الاقتصادية في الأحياء المحاصرة تشهد تدهوراً متسارعاً، وكان اتحاد غرف التجارة والصناعة في الشيخ مقصود والأشرفية قد أدان الحصار المفروض على الأحياء الأسبوع الماضي، محملاً الجهات المعنية في الحكومة مسؤولية ما يجري، وأشار الاتحاد إلى أن التجار والصناعيين يواجهون ضغوطاً اقتصادية وسياسية كبيرة، أدت إلى تدمير النشاط التجاري والصناعي وارتفاع معدلات البطالة.
بحسب بيان الاتحاد، أدى الحصار إلى توقف عدد كبير من المعامل وورشات العمل، ما انعكس سلباً على الاقتصاد المحلي وعلى حركة التبادل التجاري مع باقي المناطق، وأكد البيان أن استمرار هذه الأوضاع يحرم السكان من حقهم في العمل والعيش الكريم، ويتنافى مع مبادئ العدالة الاجتماعية، محذراً من تداعيات طويلة الأمد قد يصعب معالجتها لاحقاً.
سكان بين الخوف والعوز
في ظل هذه الظروف، يعيش سكان الأحياء الثلاثة حالة من القلق الدائم، مع صعوبة تأمين التدفئة في فصل الشتاء، وارتفاع تكاليف النقل والغذاء، وانعدام الاستقرار الأمني، ويضطر كثيرون إلى تقليل استهلاكهم من الوقود والكهرباء إلى الحد الأدنى، في حين تعتمد بعض العائلات على حلول بديلة بدائية للتدفئة والإنارة، رغم مخاطرها الصحية.
تعقيدات المشهد الميداني
الأزمة الإنسانية في أحياء حلب تأتي في سياق مشهد ميداني معقد، تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية والسياسية مع الواقع المعيشي للسكان، فالتصعيد العسكري، واستخدام الطائرات المسيرة، واستمرار الحصار، كلها عوامل تضغط على المدنيين الذين يجدون أنفسهم عالقين بين أطراف النزاع، دون حلول قريبة تلوح في الأفق.
تعد أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد من المناطق ذات الكثافة السكانية العالية في مدينة حلب، وشهدت خلال سنوات النزاع السوري أوضاعاً متقلبة بين هدوء نسبي وتصعيد عسكري متكرر، ومع انقسام السيطرة والنفوذ في محيط المدينة، باتت هذه الأحياء عرضة للحصار والانقطاعات المتكررة في الخدمات الأساسية. وتأتي الأزمة الحالية في ظل وضع اقتصادي عام متدهور تشهده سوريا، حيث تعاني البلاد من نقص حاد في الوقود وارتفاع معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية للسكان، وفي ظل غياب حلول سياسية شاملة، تبقى الأوضاع الإنسانية في هذه الأحياء مرهونة بتطورات المشهد العسكري وقدرة الجهات المعنية على فتح ممرات إنسانية وتخفيف القيود، لتجنيب المدنيين مزيداً من المعاناة.











